لم تكن تتخيل أن كلمة واحدة قد تغيّر حياتها كلها…
“موافقة.”
قالتها نور وهي تشعر أن صوتها لا يشبهها.
كانت جالسة أمام والدها، وعيناه مليئتان برجاء لم تستطع كسره.
“ده جواز مصلحة يا بنتي… وهيريّحنا كلنا.”
لم تسأل كثيرًا.
لم تناقش.
فقط وقّعت.
وقّعت على عقد زواج بلا حب.
في ليلة الزفاف، كانت ترتدي فستانًا أبيض لا يشبه الأحلام التي رسمتها يومًا.
كان كل شيء مرتبًا… هادئًا… خاليًا من المشاعر.
حتى هو.
آدم.
رجل بملامح جامدة ونظرات باردة، وقف بجانبها كأنه يؤدي واجبًا رسميًا.
لم يبتسم.
لم يحاول الاقتراب.
وحين انتهى كل شيء، قال جملته الأولى لها:
“اتفقنا… كل واحد يعيش حياته.”
هزّت رأسها بصمت.
كان الاتفاق واضحًا منذ البداية.
بيت واحد.
اسم واحد.
وحياتان منفصلتان.
مرّت الأيام ثقيلة.
كان يخرج مبكرًا ويعود متأخرًا.
يتحدث قليلًا… ينظر أقل.
أما هي، فكانت تتحرك في البيت كضيفة طويلة الإقامة.
تطبخ أحيانًا.
ترتب أحيانًا.
وتختبئ دائمًا خلف الصمت.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا…
رغم بروده، لم يكن قاسيًا.
كان يترك لها المصروف دون سؤال.
أصلح لها الهاتف حين تعطل.
وأحضر دواءها حين مرضت دون أن تطلب.
تصرفات صغيرة…
لكنها كانت تقول ما لا يقوله الكلام.
وفي ليلة ممطرة، انقطعت الكهرباء.
كانت تخاف الظلام منذ طفولتها.
جلست في الصالة تحاول أن تبدو قوية،
لكن ارتجاف يديها فضحها.
فجأة… أشعل شمعة ووضعها أمامها.
“بتخافي؟”
سألها لأول مرة بنبرة إنسانية.
همست: “شوية.”
جلس على الكرسي المقابل،
بصمت طويل.
ثم قال:
“أنا كمان.”
رفعت عينيها بدهشة.
“من إيه؟”
نظر للشمعة وقال:
“من إني أعيش العمر كله من غير ما أحس بحاجة.”
كان اعترافًا عاريًا…
لم تتوقعه.
تلك الليلة كسرت أول جدار بينهما.
بعدها تغيّر شيء خفي.
صار يسأل إن أكلت.
ينتظرها أحيانًا على العشاء.
يترك الباب مفتوحًا بدلًا من إغلاقه دائمًا.
وهي…ض
صارت تبتسم أكثر.
تتكلم أكثر.
وتراقبه دون أن تدري.
حتى جاء اليوم الذي مرضت فيه بشدة.
حرارة مرتفعة…
وإغماء مفاجئ.ش
حين فتحت عينيها في المستشفى،
كان أول ما رأته… هو.
جالسًا قربها،
شعره مبعثر،
وعيناه حمراوان من السهر.
“آدم…؟”
أمسك يدها فورًا.
“خضّتيني.”
كانت أول مرة يمسك يدها…
وأول مرة تسمع خوفًا حقيقيًا في صوته.
في تلك اللحظة فقط فهمت.
هذا الزواج لم يكن بلا حب.
بل كان حبًا خائفًا…
يختبئ خلف اتفاق قديم.
عادت للبيت بعد أيام،
فوجدت مفاجأة صغيرة.
غرفتها تغيرت.
ستائر جديدة.
وورود على الطاولة.
وقف متوترًا وقال:
“قلت يمكن تحبي التغيير.”
ابتسمت لأول مرة له…
ابتسامة وصلت قلبه.
“حبيت.”
صمت…
ثم سأل فجأة:
“نور… إحنا لسه على الاتفاق؟”
نظرت له طويلًا.
ثم قالت بهدوء:
“الاتفاق كان عقد زواج بلا حب…”
توقفت خطوة أقرب.
“بس الحب وصل متأخر.”
لم ينتظر أكثر.
شدّها نحوه بعناق صادق،
كأنهما أخيرًا التقيا بعد طريق طويل.
همس قرب شعرها:
“أنا حبيتك… من غير ما أحس.”
أغمضت عينيها وقالت:
“وأنا وافقت… من غير ما أعرف إني هحب.”
وفي تلك اللحظة فقط،
تحول عقد زواج بلا حب…
إلى أجمل حب وُلد من الصمت.